سيد محمد طنطاوي

130

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله - تعالى - : * ( بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وشِقاقٍ ) * انتقال من القسم والمقسم به ، إلى بيان حال الكفار وما هم عليه من غرور وعناد . والمراد بالعزة هنا : الحمية والاستكبار عن اتباع الحق ، كما في قوله - تعالى - : وإِذا قِيلَ لَه اتَّقِ اللَّه أَخَذَتْه الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُه جَهَنَّمُ ولَبِئْسَ الْمِهادُ « 1 » . وليس المراد بها القهر والغلبة كما في قوله - تعالى - : ولِلَّه الْعِزَّةُ ولِرَسُولِه ولِلْمُؤْمِنِينَ ، ولكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ « 2 » . وأصل الشقاق : المخالفة والمنازعة بين الخصمين حتى لكأن كل واحد منهما في شق غير الذي فيه الآخر . والمراد به هنا : مخالفة المشركين لما جاءهم به النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم . والمعنى : وحق القرآن الكريم ذي الشرف وسمو القدر . إنك - أيها الرسول الكريم - لصادق فيما تبلغه عن ربك ، ولست كما يقول أعداؤك في شأنك . بل الحق أن هؤلاء الكافرين في حمية واستكبار عن قبول الهداية التي جئتهم بها من عند ربك ، وفي مخالفة ومعارضة لكل ما لا يتفق مع ما وجدوا عليه آباءهم من عبادة للأصنام ، ومن عكوف على عاداتهم الباطلة . والتعبير بفي في قوله * ( فِي عِزَّةٍ وشِقاقٍ ) * للإشعار بأن ما هم عليه من عناد ومن مخالفته للحق ، قد أحاط بهم من كل جوانبهم ، كما يحيط الظرف بالمظروف . ثم خوفهم - سبحانه - بما أصاب الأمم من قبلهم ، وحذرهم من أن يكون مصيرهم كمصير المكذبين السابقين فقال : * ( كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ ) * . « وكم » هنا خبرية . ومعناها : الإخبار عن عدد كثير . وهي في محل نصب على أنها مفعول به لأهلكنا . وصيغة الجمع في أهلكنا للتعظيم . و « من » في قوله * ( مِنْ قَبْلِهِمْ ) * لابتداء الغاية ، وفي قوله : * ( مِنْ قَرْنٍ ) * مميزة لكم . والقرن : يطلق على الزمان الذي يعيش فيه جيل من الناس ، ومدته - على الراجح - مائة سنة والمراد به هنا أهل الزمان . والمراد بالنداء في قوله - تعالى - : * ( فَنادَوْا ) * الاستغاثة والضراعة إلى اللَّه أن يكشف عنهم العذاب .

--> ( 1 ) سورة البقرة الآية 206 . ( 2 ) سورة المنافقون الآية 8 .